بالحق
علي راضي ابوزريق
زارني صديق حقوقي يعمل بمهنة المحاماة وعلمت منه أنه منتظم في برنامج جامعي للحصول على درجة الماجستير. ومما قال لي: إنه يعد هذه الأيام ورقة بحثية حول نظرية الحق. وأن لهذا الموضوع علاقة بالزيارة.
ثم قال: ككل الذين يكتبون بحثا بالعربية أحببت أن ابدأ ورقتي بما ورد عن الحق في القرآن الكريم خصوصا أن كلمة الحق بمعانيها المختلفة وردت في القرآن الكريم أكثر من مائتي مرة.
-ولكن هل تجد كلمة "الحق" في الاستعمال القرآني شبيهة باستعمالكم لها في القضاء؟
قال: نعم ومن أقرب الاستعمالات القرآنية إلى استعمالات المحاكم قوله تعالى في سورة المائدة:27 "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق" أي اذكر لهم قصة ابني آدم كما حدثت! فكلمة الحق عندنا يجب أن يكون لها مرجع تُقاس عليه. فالحق ليس شيئا خياليا أو متروكاً للتقييم الشخصي . وفي قصة ابني آدم يكون مجرى الأحداث التي أدت لقتل أحدهما الآخر هي المرجع للحق هنا. لذلك كان معنى "بالحق" وصف الأحداث كما حدثت تماما. وكنت أتوقع أن يكون معناها كذلك في القرآن في كل المرات التي ترد بصيغة آية المائدة أي "بالحق".
قلت: فماذا وجدت؟
قال : وجدت عجبا عجابا وأنا أستعرض أقوال المفسرين جميعا في الآية الثالثة من سورة النحل وهي قوله تعالى: { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }.
سالته : ماذا وجدت لديهم ؟ فقال: إليك ملخص ما كتب كبار المفسرين حولها: يقول الطبري الذي تسميه أنت شيخ المفسرين "خـلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بـالعدل وهو الـحقّ منفرداً بخـلقها لـم يشركه فـي إنشائها وإحداثها شريك ولـم يُعنه علـيه مُعين، فأنَّى يكون له شريك" أي أنه فسر الحق بالعدل . ولست أدري ما هو العدل هنا؟ فالله هو الخالق يخلق ما يريد ليس فوقه أحد ليحكم على عمله عدلاً أو غير عدل. وهو ليس بحاجة لتبرير ما يفعل فيصفه بالعدل. ولاحظ أننا هنا نتحدث عن خلق وليس عن حكم. فلو كان عن حكم لقلنا إن الله يحكم بالعدل بين المتخاصمين فيكون العدل أو الحق هنا هو فطرة الله التي فطر عليها الناس والكون، فهي المرجع الذي يقاس عليه . ولكن خلق السموات والأرض أمر مختلف ولسنا نعرف خلقا مثله ليكون عليه قياس أو مقارنة.
قلت : وماذا قال بقية المفسرين الذين طالعت تفاسيرهم. قال: أما الزمخشري فلم يقل شيئا ذا قيمة بل اكتفى بالقول أن الآية تثبت قدرة الله وحكمته. وهذا هو المعتزلي الذي يُعلي شأن العقل!
قلت: يبدو أن مفسري القرآن يتعرضون لمرافعة قاسية من محام متمرس! أشعر بعدم الميل لسؤالك عن
المزيد منهم كي لا ينالوا مثلما نال الزمخشري.
قال:بل استمع إلى النهاية فأنت أحوج الناس لمعرفة هؤلاء العلماء ما دمت تقضي معظم وقتك بالقراءة لهم.
لذلك اريد ان أسمعك أغرب رأي سمعته . يقول القرطبي:" قوله تعالى: { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أي للزوال والفناء. وقيل: «بالحق» أي للدلالة على قدرته، وأن له أن يتعبّد العباد بالطاعة وأن يحيـي الخلق بعد الموت. { تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي من هذه الأصنام التي لا تقدر على خلق شيء." أرايت؟ كيف يكون معنى بالحق: للزوال والفناء؟
- لعله تأثر بسواه فنقلها عن أحد سابقيه فتفسير الحق بالفناء والزوال لا يكون إلا من أصحاب النقل دون العقل. فهم ينسبون قولا لصحابي أو تابعي ولا يفكرون به. فيصدقهم من يسمع بسبب تأثير أسماء الصحابة والتابعين على العقول.
- وهل يمكن أن يقول صحابي قرشي عليم باللغة أن "بالحق" تعني للزوال والفناء.
- لا، ولكن الوضَّاعين لا يبالون بالكذب على الصحابي أو التابعي ما داموا قد كذبوا قبل ذلك على من هو أكبر وهو النبي.
- بالمناسبة أذكر أني قرأت نفس الرأي عند مفسر آخر ولكني لم اقارن الزمن فتفسير القرطبي يعتبر من أمهات التفاسير .
- أتذْكُرُ من هو المفسر الآخر؟ قال: لحظة لأبحث عنه في هذه الأوراق….وجدته إنه السمرقندي صاحب تفسير بحر العلوم المتوفى سنة375 .
-أي أنه أقدم من القرطبي بثلاثة قرون تقريبا
- ولكن هذا لا يُعفي القرطبي من وزر كلامه. وبالمناسبة تابعه على كلامه الفيروزآبادي الذي مدحته مرارا أمامي. على كل حال قال ابن كثير في تفس






















